عندما يترجل المبدع عن صهوة العمل الرسمي ويصل إلى محطة التقاعد، يتوقع أن تفتح له أبواب الثقافة والمهرجانات تقديراً لخبرته ونضج حرفه. لكن بالنسبة لعواد الساري، كانت التجربة مختلفة وقاسية. فقد وجد نفسه في عزلة شعرية، يكتب للورق وللدرج، وسط تجاهل من المؤسسات الفنية التي كان من المفترض أن تكون الحاضنة الأولى لموهبته.
يقول لسان حال الساري: "بعد التقاعد، لم أجد من يحتضن موهبتي أو يقتنع بما أقدمه من إرث شعري". هذه الجملة ليست مجرد عتب، بل هي صرخة في وجه الساحة الفنية التي باتت تلهث وراء "التريند" السريع وتنسى الرواد والأسماء التي تحمل في جعبتها عمق الكلمة وأصالة المعنى.
الوفاء الفني: ثنائية الساري وأحمد يوسف تعود من جديد
في هذا الظلام، يلمع بصيص أمل يعود تاريخه إلى عشرين عاماً. إنه الفنان أحمد يوسف، الشخص الوحيد الذي آمن بموهبة الساري قديماً، وظل مقتنعاً بها حديثاً.
تعد هذه العلاقة الفنية نموذجاً لـ "الوفاء الإبداعي"، حيث:
كسر الفنان أحمد يوسف حاجز الغياب: بالموافقة على التعاون وإعادة إحياء التعاون مع عواد الساري.
انتصرت الكلمة الصادقة: حين وجد الشاعر من سيترجم مشاعره إلى لحن وصوت يصل للأخرين.
استمرارية الموهبة: يثبت هذا التعاون القادم بعد غياب طويل أن الموهبة لا تشيخ، وأن "التقاعد" هو مجرد رقم، أما الإبداع فهو نهر متجدد.
رسالة إلى الساحة الفنية والفنانين
إن الاخ قصة عواد الساري تضعنا أمام تساؤل مهم: كم من "ساري" يسكن في بيوتنا اليوم بعيداً عن الأضواء؟ إن المبدع بعد التقاعد يكون في ذروة نضجه الفكري والعاطفي، واحتضانه ليس "منة" بل هو استثمار في الوعي والذوق العام وتنمية للموهبة الحقيقية.
كلمة أخيرة
كل التحية للشاعر عواد الساري الذي لم يستسلم لليأس، وللفنان أحمد يوسف الذي أثبت أن الفنان الحقيقي هو من يقدر "الجوهر" قبل "المظهر"ومن يقدر الموهبة قبل المادة، ومن يدرك أن الذهب لا يصدأ أبداً مهما طال عليه الزمن وننتظر تعاونهم القادم باذن الله.
بفلم: خالد عبدالله
